السيد جعفر مرتضى العاملي

104

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

القوم ، وبادي بعضهم بعضاً . « 1 » وربّما تكون هذه المراحل متداخلة ، أو مترتّبة ؛ فإنّ ما ذكرناه لا يعدوا عن أن يكون فهماً منّا للسّير الطّبيعي للأحداث ، لا أكثرو لا أقلّ . ماذا بعد فشل المفاوضات ؟ وبعد فشل المفاوضات ، فقد ظهر لأبي طالب أنّ السّيل قد بلغ الزُّبي ، « 2 » وأنّه على وَشك الدّخول في صراع مكشوف مع المشركين ؛ فلابدّ من الحذر ، والاحتياط للأمر ؛ فجمع بني هاشم ، وبني المطّلب ودعاهم إلى منع الرّسول ، والقيام دونه . فأجابوه ، وقاموا معه ، باستثناء أبي لهب لعنه الله ؛ ومنع الله عزّوجلّ رسوله ، فلم يكن لهم إلى أن يضرّوه في شَعرِه وبَشَرِه سبيلٌ ، غير أنّهم يرمونه بالجنون ، والسّحر ، والكهانة ، والشّعر ؛ والقرآن ينزل عليه ( ص ) بتكذيبهم ، ورسول الله ( ص ) قائم بالحقّ ، ما يثنيه ذلك عن الدّعاء إلى الله تعالى سرّاً وجهراً . وذلك لأنّ المشركين بعد أن أدركوا أنّ الاعتداء على شخصه ( ص ) سوف يتسبّب في صِراعٍ مسلّح لم يعدوا له عُدَّته ، وليسوا على يقين من أن تكون نتائجه لصالحهم ، خصوصاً مع ما كان لبني هاشم من علاقات وأحلاف مع القبائل كحِلف المُطَيِّبين « 3 » وحِلف عبدالمطّلب مع خزاعة الّتي كانت تَقطُن « 4 » خارج مكة . بل قد

--> ( 1 ) 1 . راجع : سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 286 282 ، والبدء والتاريخ ، ج 4 ، ص 147 و 149 وتاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 68 65 ( 2 ) 2 . الزُّبي جمع زُبيَة والزُّبيَة : الرّابية لا يعلوها ماءٌ ومنه المثل : بلغ السيل الزُّبي ، أي اشتدّ الأمر حتّى انته إلى غاية بعيدةٍ ( 3 ) 3 . المتحالفون في حِلف المُطَيّبين هم بنو عبد مناف ، وبنو أسد بن عبدالعزّي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو حارث بن فهد بن مالك بن النضر ؛ تحالفوا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلّم بعضهم بعضاًما بل‌ّبحرٌ صَوفَةً ( يريد إلى الأبد ، وصوف البحر : شىءٌ على شكل الصّوف الحيواني ، واحدته : صوفة ) فأخرج بنو عبد مناف جفنةً مملوءةً طَيّباً ، فيزعمون أنّ بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم ، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة ، ثمّ غمس القوم أيديهم فيها ، فتعاقوا وتعاهدوا ، هم وحلفائهم ، ثمّ مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم ، فسُمّوا المطيّبين ( سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 139 138 ) ( 4 ) 1 . قَطَنَ في المكان وبه قُطوناً : أقام فيه وتوطّنه .